‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 3 ديسمبر 2017

قراءة ذرائعية بورغماتيكية لديوان (مناجم في حوض الشتاء )الدراسة من إعداد الناقد الذرائعي : عبدالرحمن الصوفي / المغرب

الشكر الجزيل للأخ العزيز**** عبدالرحمن الصوفي******
قراءة ذرائعية بورغماتيكية لديوان (مناجم في حوض الشتاء )
عنوان الدراسة : الصناعة الرمزية والتعدين الخيال والذات 
في ديوان :
(مناجم في حوض الشتاء ) للشاعر أحمد بياض 
الدراسة من إعداد الناقد الذرائعي : عبدالرحمن الصوفي / المغرب
1 – مقدمة

الشعر العربي في الوقت الحاضر يختلف اختلافا كبيرا عن شكله المتعارف عليه في العصور السابقة ، خاصة مع ظهور موجات شعرية وافدة متعددة الأسماء والمسميات ، ومضة ، غمضة ، هايكو ، الواكا ، حر ، نثري ، ثلاثي ... لذلك سنقدم لمحة موجزة عن التطور الذي عرفه الشعر العربي عبر مختلف العصور التاريخية .
الشعر العربي القديم حرص على الوزن والقافية ، وإذا خلا منهما النص لا يعتبر شعرا ، بل يخرج إلى الخطابة أو الفصاحة أو الحديث ، ومن أجل هذا الغرض ظهرت عدة كتب تدرس الأوزان والقوافي ، وكتب أخرى تجمع وتدون وتصنف الشعر إلى مجموعات بالاعتماد على الأغراض وموضوعات الشعر . نجد المؤرخين قد اعتبروا الشعر العربي القديم حاملا لمضمون الإمتاع والنفع والتعقل والتبصر والحكمة ... كما أن الشعر العربي القديم يحمل الأخلاق والقيم العربية ، والافتخار بالانتماء للمكان المشكل لهوية وشخصية الشاعر ومجتمعه العربي .
عرف الشعر الجاهلي بالقصيدة المتكونة من أبيات ، كل بيت مستقل عما قبله وبعده في التركيب ، وتتصل الأبيات كلها في المعنى ، وتنتهي القصيدة كلها بحرف واحد في القافية ، وتمتاز بموسيقى تتحدد مع البحر المتبع .
أما شعر صدر الإسلام فارتبط بظهور الدعوة الإسلامية ، فأصبح الشعر مسايرا للجهاد لنصرة الدين الجديد ، والفخر بالرسول صلى الله عليه وسلم ، بلغة واضحة وسهلة بعيدة عن الغموض والغرابة . أما الشعر الأموي اتسعت مواضيعه ، وتطورت أساليبه تبعا للمظاهر السياسية والثقافية والفكرية ، وأضاف الشعراء العباسيون أساليب شعرية كان مصدرها الاطلاع على ثقافات أجنبية ، وخاصة الفلسفة اليونانية التي وسعت مدارك الشعراء ، كما أنهم نحوا نحو التفنن في المحسنات البديعية والتجديد في الألفاظ .
أما الشعر الأندلسي فظهر في ظروف جديدة لا مثيل لها في المشرق العربي ، ظروف اتصلت بالأندلس وتنوعا الطبيعي والثقافي والسكاني ... فجمعت قصائدهم بين الذاتي والطبيعي والمجتمعي بهوية شعرية عربية .
عرف القرن الماضي أكبر تطور عرفه الشعر العربي مع ظهور الشعر الحر الغير ملتزم بنظام القافية الواحدة ، فتنوعت القوافي في القصيدة الواحدة ، وتتنوع معها كذلك الموسيقى الشعرية ، كما أن هذا النوع لا يعتمد نظام الشطرين بل يقوم على نظام الشطر الواحد الذي يطول أو يقصر حسب اكتمال المعنى وبحسب الإيقاع الموسيقي معتمدا الوحدة الوزنية لكل بيت تقوم على التفعيلة الواحدة .
قصيدة النثر تتميز بإيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية التي تعتمد الألفاظ وتتابعها والصور وتكاملها ، الحالة العامة للقصيدة بناء يتميز فيه شاعر عن آخر من حيث الصنعة و التوهج والإيجاز والخيال والرمز والعاطفة ...
أما في العصر الحالي فيعيش الشعر ظهور أشكال جديدة وافدة من ثقافات أخرى ، وهي تجارب موضوع نقاش وجدال بين الباحثين و المهتمين .

– توطئة
قد يتساءل الكثير من القراء عن سبب اختياري للرؤية الذرائعية التحليلية للناقد العراقي عبد لرزاق عودة ألغالبي ، أترك الجواب لصاحب النظرية بنفسه يقول :
(... خرجت بفهم يقرأ أهمية النص الأدبي العربي الإنساني للمجتمع ، مقابل النظريات النقدية المادية التي تطغى على المنظومة الفكرية والأدبية العالمية ، وهذا الشيء غاب عن ذهن المتلقي العربي الذي لا يعي معطيات تلك النظريات التي لا تلائم الدين الإسلامي ، ويعتبر التفكيك أهم نظرية حديثة تحترم النص المبني على اللوغوس ، والذي يجعله غير منسجم مع الرؤية العربية الإسلامية ، كون التفكيك قلد تيارا عرف ب( ما بعد البنيوية ) ، وهو ضد النظرية البنيوية التي استكانت لافتراض التناسق في بنية النص الأدبي بناء عل منطق وقوانين لغوية صارمة وحاسمة لا تقبل النقض أو التغيير أو التعليل ، ولا يذكر شيء خارج نطاقها ، لذلك نحت النظرية التفكيكية إلى التشكيك بالعلاقة اللغوية ذاتها ، وفي منطق أنساقها وقوانينها ، إذ لم يعد النص في نظرها يمثل بنية لغوية متسقة لغويا ، تنطوي في داخلها على متناقضات وصراعات وكسور وشروخ وتغيرات عديدة ، يجعل من النص قابلا للتأويلات والتفسيرات التي لا نهاية لها ، وليس هناك من نص يستعصي على التفكيك كي تخرج من باطنه ما تخفيه ، لذلك تبدأ النظرية التفكيكية بتكسير السطح اللامع للنص الأدبي كي تبلغ أعماقه والتي لا يبوح بها . من ثمة تختلف الرؤية الذرائعية البرغماتيكية ، فهي تحترم الظاهر والباطن معا خصوصا النصوص القرآنية والكتب المقدسة الأخرى .
الكثيرمن النقاد والمهتمين لا يعرفون مضمون تلك النظريات وخطورتها على النص الأدبي العميق ، فأتباع تلك النظريات يقود نحو الهرطقة وتهديم الشكل الجميل للنص الأدبي العربي ، لذلك حاولت الذرائعية تعديل المسار الجائر والتعريف بالنص وماهيته وإقرار أهميته سواء بين القراء أو النقاد .
لا بد من الإشارة إلى أن المناهج النقدية الحديثة وما بعد الحداثة كانت اتجاهاتها مادية بحثه حين تعاملت مع الأدب نتاجا ونقدا ، وأهملت النقد الأدبي وما يحمله من قيم وفلسفة ، لأنها اعتبرته شكلا لغويا ، فظلمت الأديب من خلالها ، ومعها ماتت الكلمة النقدية على رأس قلم الناقد ... )
من هنا انطلق أنطلق المنظر والمفكر عبدا لرزاق عودة ألغالبي واضع النظرية الذرائعية المتجهة صوب الخيمة العربية الإسلامية ، محترما الشكل والمضمون ، الظاهر والباطن .

– السيرة الذاتية للشاعر
الشاعر أحمد بياض من مواليد مدين مكناس 
أستاذ وباحث في مجال التربية والتكوين
خريج المدرسة العليا للأساتذة 
له مؤلفات عديدة في طريقها للنشر.

ديوان ( مناجم في حوض الشتاء ) يقع في 120 صفحة من الحجم المتوسط
لوحة غلاف الديوان للفنان محمد سعود .

2_ البؤرة الثابتة في النصوص
البؤرة الثابتة المقصود بها الاستاتيكية المؤطرة للنصوص بديناميكية التنصيص ، سواء أكانت في الأفكار أو في الأيديولوجيات الإنسانية والبناء النظري الفلسفي ...بهذه البؤرة نلمس أيديولوجية الكاتب الأدبية والفكرية ونظرته اتجاه ذاته ومجتمعه الذي هو جزء مكون للمجتمع العربي الكبير ، ونظرته الحاملة لرسالة إنسانية .
البؤرة الثابتة في نصوص ديوان (ديوان مناجم في حوض الشتاء ) رسالة إنسانية شاملة اجتماعية إصلاحية ، تنطلق من عمق التجارب الذاتية والتصورات الفكرية الثقافية والسياسية وخاصة الهزات التي عرفها العالم العربي سواء قبل ما سمي الربيع العربي أو بعده . رسالة إنسانية ذات عمق وحس مرهف وشعور فياض راصد للذات الاجتماعية وهزاتها وآلامها المشتركة وأحلامها التي تكسرت على صخرة الواقع العربي المؤلم .
إن الفكر يتصرف ويمارس قدراته الواعية في جدلية متناغمة مع الواقع ، علاقة بين الفكر والوجود كإنسان ذي فكر يطاوع دعوة الوجود وينشدانه ليقول حقيقته ، فالتفكير في الوجود الذاتي هو التهيؤ الموجود للقول والإفصاح عن الذات من اللغة الجامعة لهذه الثنائية المتشابكة الذاتي والموضوعي أي الفاعل والمفعول اللذان يظلان رهينين بالشعر. إن تاريخ الوجود هو الذي يتحمل كل ظرف وشرط إنساني متمحور حول رؤية فلسفية وثقافية وتاريخية ، وذلك ما سنلاحقه في مدخل الاحتمالات المتحركة .

3– المدخل البصري والبناء الفني والجمالي لقصائد الديوان
الديوان المعنون ب(مناجم في حوض الشتاء ) يحتوي على مائة وعشرين صفحة ، تتوزعها ثمان وثلاثين قصيدة نثرية تختلف من حيث الطول والقصر ، وهذه القصائد هي : وقع الغيم – شهاب طقوس على ريح مساء راحل – خلايا غائبة عن جسد الكلمة – غربة الأنين – عزلة – أديم – سبع زهرات – وشل – فواصل – ضريح ليل عاري – إياب – رماد الشمس – عزف على أوتار الليل – همس – ضريح العنفوان – حنين على المعاصم – أغصان – أقواس – سبايا الدمع – خريف – غيث آخر – أن....وتئن الحروف – خلخال الفجر – رماد – غربة شاعر – زنجبيل – ريح الصدى على أوراق الجفون – أوردة المنفى وطقوس الريح – جدران – سيل الخطى على ضريح الليل – على ثوب زهرة في اصفرار الحقول – شفرة انتظار عالق – رعشة – غروب – هواء منكسر – زهرة المناسك وحلم صامت – بقايا عطر –
_التجنيس الأدبي للنص
إن النصوص الماثلة بين أيدينا هي قصائد نثرية دلنا عليها الشكل البصري للنص ، وتناسق الألفاظ والسياقات الشعرية...
كل القصائد ذاتية إنسانية وجدانية تحمل الحس والهموم الفردية والوطنية والعربية ، بمسحة فلسفية مالت إلى الـتأمل تنبع من نظرية الفن للمجتمع . كما أن الديوان لم يخل من علامات الترقيم بكل أنواعها والحاملة لدلالات تتعدد بتعدد النصوص والمقاصد .

_درجة العمق والانزياح نحو الخيال والرمز
إن رمزية الذات في الفلسفة هي إرادة الحياة والعيش والبقاء ، ولا تكون أسباب العيش إلا بوجود نفس قادرة على إدراك الخير والشر. يرى بوذا أن الذات تتحقق من خلال قهر اللذة دون ألم ، ويرى سقراط أن الذات عبارة عن خليط من قدرات الإنسان وملكاته الشخصية ، وإنما ترتبط بقدراته على التحليل وبناء المنطق . أما الذات في الدراسات الحديثة فيمكن تقسيمها إلى ثلاث ، الذات الواقعية والذات المثالية والذات الخاصة . أما الفلسفة الإسلامية فحصرت مكونات الذات فيما هو عقلي أو ما هو أخلاقي . لا يمكن للطموح أن يحقق الذات بدون جرعات من الألم والمعاناة.. . وجد الرمز في الخيال مجاله الخصب وعالمه الواسع الذي يشتمل على تصورات تسكن العقل البشري عموما ، أي التفكير في مجالات تكون شرعية ومقبولة في جنس الشعر ، وتعد عمقا أدبيا مقبولا ومحمودا ، وهو مصدر اللذة والتشويق النصي ، وذلك ما سنلاحقه في تحليلنا .
يقول الشاعر أحمد بياض في قصيدة (ضريح العنفوان )
ما اسمك
الذي تردده
الشفة القانطة
من عزوف شوق الكلمة
ما اسمك

إن النصوص الشعرية قصائد وجدانية بامتياز كبير ، فلا غرابة أن تميل إلى الخيال والرمز الضارب في عمقها ، ونسجل أن النصوص تجاوز حدود رمزيتها التسعين في المائة ، وتتجلى أهمية الخيال ، حين يحول الشاعر المألوف اليومي إلى صناعة شعرية ، يبت فيها الحركة والحياة ...ولخدمة أغراضه الشعرية التجأ الشاعر إلى الأسلوب الخبري والإنشائي ، مما أكسب القصائد حيوية وحميمية منعشة ، من خلال الأخيلة والصور التي نقلتنا لفضاءات يسرح فيها الخيال ، وتحيا بها الطبيعة وتتجسد المجردات ، يطوعها الشاعر بين يديه ، أداة تأثير علينا ووسيلة إقناع لنا بأفكاره ...ولم يغفل الشاعر الزج بعواطفه وأحاسيسه وآرائه ، ونظرته الخاصة إلى ذاته ومجتمعه والعالم .
– 4 الاحتمالات المتحركة في النصوص شكلا ومضمونا
سننطلق في البداية من عنوان الديوان( مناجم في حوض الشتاء) ، وبعدها سنغوص في حلقات ومجربات النصوص الداخلية دون إهمال أي رمز أو دلالة ...
عنوان الديوان مناجم في حوض الشتاء مركب مبتدإ وخبره . المنجم أنفاق تحت الأرض تحتوي على مواد خام من معادن مختلفة وهي من الموارد الطبيعية ينبني عليها الاقتصاد ، اللغة بدورها منجم ومادة خام يقوم عليها اقتصاد الفكر الفردي داخل المجموعة البشرية . ولقد أثرت كلمة مناجم في الأفكار العامة للنصوص وربطت بين حلقات أفكارها ، وأماطت اللثام عن سياق العاطفة والأحاسيس . أما الشتاء كفصل فهو الفصل الذي استهوى معظم الشعراء وأصبح مصدر إلهامهم بل استلهموا منه قصائدهم ، والمتعارف علية إن فصل الشتاء فصل الأمطار والسحاب والبرق والرعود والفيضانات ...يمكن إعطاء شكل هرم لعنوان الديوان قائم الذات ، الزاوية الأولى كلمة (حوض) والزاوية الثانية (شتاء) والزاوية الثالثة (مناجم ) . من خلال هذه الهرمية سنلاحق قصائد ديوان الشاعر أحمد بياض ، وسنربط القصائد بعنوان الديوان من خلال غوصنا وملاحقتنا لمجريات النصوص الداخلية ، أي ملاحقة الأفكار المتصلة فيما بينها بالتحليل ، وجمع الأفكار واللهاث خلف الدلالات والرموز والأفكار المتعاقبة والمكملة لبعضها ، نسلك طريق صياد اللؤلؤ ، كلما غاص عميقا كان صيده وفيرا .

الزاوية الأولى .......حوض
أما الحوض فهو مجمع مائي في منخفض طبيعي من الأرض ، محاط بجبال أو تلال عالية من كل الجهات ، وقد يمثل منطقة مناجم فحمية أو معدنية ، وهو كذلك تجويف عظمي في جسم الإنسان يحيط بأسفل البطن ، وتطلق الكلمة كذلك على حوض الأذن وحوض الحمام وحوض السباحة ، وحوض أو حياض الوطن أي حرماته ومقدساته ...
يقول الشاعر أحمد بياض في قصيدة (عزلة )

قائم ...فالحب 
أنا وأنت 
بحر ثالثنا 
على خذ الميمنة 
أنين شمس 
وشوقنا الأسير 
ميسرة
ريح تناجي ريح 
أشواق قبل 
لثمت قصر الموت
وما عانق السائرون روحك ...
لديك 
الماء والحطب

يتسم رمز الحوض الجامع للماء بحضور لافت لمفهوم الماء ضمن مفردات القصائد باعتباره مكونا طبيعيا يؤثر في وجدان الشاعر ، من خلال علاقته الجمالية بالعديد من المكونات والمفاهيم بحسب قصائد الديوان ...يتفاوت حضور الدلالة الرمزية للماء في القصائد ضعفا وقوة أو قلة وكثرة ، الماء مكون يسهم أحيانا في عزلة الشاعر، وزيادة المعاناة الذاتية ، ويفتح باب التأمل ومغادرة المكان إلى أفق آخر. وتبرز جمالية الماء من حيث كونه بحرا حينا أو نهرا أو مطرا أو حوضا حينا آخر، وما تتصف به البيئات المحيطة من جمال أو قبح ...وتأثيرها في نفسية الشاعر المعذبة أو المتألمة . الماء هو وطن الموت الكامل الذي يكونه البحر اللامتناهي أو النهر الهادر أو الأمطار المنهمرة . وحدة الماء تستطيع تخليص التراب الذي خلق منه الإنسان وإليه يعود .
_ الزاوية الثانية......شتاء
تمركز الذات في المتن الشعري بمظاهرها وتجلياتها المتعددة ، والتي أصبح فصل الشتاء مصدر وحي وإلهام ، وكأن الغيوم وتساقط الثلوج والأمطار من كبد السماء إذانا بانهمار الأفكار والرؤى الشعرية ، ولوقع الشتاء سحرها الخاص في نفوس الشعراء بحضوره الجلي في روائع نصوصهم ، وإن تفاوتت علاقتهم به من حيث من حيث التوجس والأمان والحب والكره...
يقول نزار قباني

إذا أتى الشتاء
وحركت رياحه ستائري
أحس يا حبيبتي
بحاجة إلى البكاء

ويقول محمد الماغوط
بيتنا الذي كان يقطن على ضفة النهر
ومن شقة الأصيل والزنبق الأحمر
وتركت طفولتي القصيرة
تذب في الطرقات الخاوية
كسحابة من الورد والغبار
غدا يتساقط الشتاء في قلبي

تنتمي الذات الشاعرة إلى شخصية الشاعر ، يسهم فيها الوعي الشعري والرؤية الشعرية على صعيد الفضاء الخارجي والداخلي للنصوص ، يسعى الخارج الشعري بتنوعاته المختلفة ، فتشتغل الأنا الشاعرة أساسا على فكرة الانتماء وإعلان المسؤولية الكاملة في حالات الذات وأوضاعها المختلفة .
يقول الشاعر أحمد بياض في قصيدة( وقع الغيم )

وسيمفونيتي المتهالكة 
بما ارتوت من أحلامي 
وشهوة الغسق
التي تقضم 
أوكار ذهني
فكري 
وزهرة حبي
صحارى موجي
وقصائدي العالقة 
تحت 
وقع الغيم

حضرت سيمفونية تصور ذاتها مرتوية بالأحلام وشهوة ليل دامس يقضم أوكار الذهن ، لكن الأمل والطموح الذاتي حاضر بقوة ، بزهرة حب وولادة قصيدة تحت غيم ينذر بمطر قصائد في شتاء الخير..شاعر يقدم رؤيا شعرية لإعادة تشكيل الواقع وخصائص الوجود وظواهر الكون وفق رؤية إبداعية وجودية الأحاسيس والمشاعر ، رؤيا عامة بعيدة عن التفاصيل والجزئيات .
ومن قصيدة ( خلايا غائبة في جسد الكلمة )
يا زائري 
هل قرأت ديواني الغائب 
بين تابوت الفصول 
وواد الحجر

الذات الشاعرة في سكة تعبيرية ، تعمل وفق آليات تضمنت التهذيب في صورة جسدية ، تأكدت في منظومة الكلام الذي أظهرته عاطفة مشحونة بالانفعال والحيوية .
الزاوية الثالية .......مناجم
المناجم هي مصادر استخراج المعادن القيمة من باطن الأرض عادة ، وتكون خاما ، تساهم مساهمة في اقتصاد الدول ، ويرتبط بها التعدين وهو نشاط إنساني منذ أقدم العصور. 
وتختلف المناجم من حيث قربها من سطح الأرض أو التعمق في جوفها ، وهذا النوع الأخير تتخذ فيه إجراءات متعددة لحماية العمال . ولقد ارتبط بكلمة مناجم نوع من الإبداع سمي أصحابه بأدباء المناجم ، ونخص بالذكر مبدعو مناجم جرادة بالمغرب . لقد حملت العديد من قصائد الديوان أحاسيس وهموم الإنسان المغربي والعربي عموما ، سواء قبل ما يسمى بالربيع العربي أو بعده ، على أساس أن الشاعر فاعل في مجتمعه ، وتحمل الكثير من حروفه وكلماته المتاعب والتضحيات التي تقتضيها العروبة ومصلحة المجتمع . الإنسان المبدع ليس مجردا أو معزول الأحاسيس عن مجتمعه ، ولا يستطيع الهروب عن الآلام والأحزان الجمعية المشتركة ، يقول إيليا أبو ماضي

كلوا واشربوا أيها الأغنياء وإن ملأ السكك الجائعون
يقول الشاعر أحمد بياض في قصيدة ( أغصان )
شابت 
على أعين الموج 
فرسان الطليعة
غبار النقع
فاجعة الأشواق
ليل على الأرجاء سهلا 
والربيع يورق الاحتماء
تقاسم شفاه الزهر
قبلة على صبار الأنين
وبقايا نهار 
يعالج سقم الأشعة
وعلى وشم الظلال
ضحايا رخام 
على تابوت الصدر.

ويقول الشاعر أحمد بياض في قصيدة (أوردة المنفى وطقوس الريح )
على رماد المدن العارية
تفك السنابل مخالب الريح 
في سراب حكاية 
يتعثر مهد الأشواق
تشكر الأفواه صيحة الغربة 
يرافق شقة الخيام لثام قبلة 
على خذ الضريح .

الرمز في قصائد الديوان يحل محل كل شيء آخر للدلالة عليه بطريقة غير متطابقة ، إنها إيحاء ووجود علامات عرضية ، وعادة استعمل الرمز بملموس نحو مجرد حامل لدلالات متعددة نفسية وفكرية ومجتمعية وإيديولوجية وفلسفية ...الرموز تحمل علامات دالة على المعقول ، تندرج ضمن المعقول المدرك المحسوس ، وهو بذلك يعكس الشعور ورغبة الشاعر في اختيار الرموز وصناعتها .
_ 5 المدخل اللساني واللغة الشعرية
حسب علم اللسانيات ، تعمل المهارات الميكانيكية الحسية في العقل الإنساني المتلقي للأدب بشكل عام ، والشعر بشكل خاص ، بأربع مهارات ميكانيكية تعمل على استلام المعلومات المؤثرة بالإحساس حسب نوع اللغة وجنسها ، منها الجانب الحسي المرتبط بالدلالة المرسومة من جهاتها المختلفة لتقرر هوية اللغة الحاضرة . يختلف الأديب عن الإنسان العادي في التعبير طبقا لمعايير علمية ن وقد برع الشاعر أحمد فياض في صياغة مفرداته الوجدانية الرقيقة المدروسة في التعبير عن إرهاصاته الإنسانية بشكل مؤثر ، دون أن يحس ، حتما اكتسب ذلك من موهبته الأدبية المسورة بسور الخبرة في كتابة الشعر المكثفة ، والمتلاحقة والقراءات المستمرة ، لذلك جاءت جمله بشكل مدروس ، بأنظمة تكوينية قصيرة مغناة بمفردات متنافرة ومتماثلة من خيالية كاملة ، أو إخبارية كاملة . كل الألفاظ التي وردت في قصائد الديوان فصيحة من قاموسه اللفظي الغزير بعيدة عن الابتذال ، حتى حين يبلغ قصائده أحيانا قمة الغضب ، لم يستعمل ألفاظا دونية ، فبقي محافظا على اللباقة الأدبية الشعرية .
لقد انفرد الشاعر بصناعة المفردات والجمل بشكل يختلف عن القول العادي أو ما نقرؤه لمعاصريه في نفس التجربة الشعرية ، وهذا التفرد صار واضحا في كل القصائد المشكلة برمزية غاية في الصنعة .

_ الموسيقى الشعرية
أما الإيقاع الموسيقي الشعري عند الشاعر أحمد فياض في قصائد الديوان فتتميز بالانسيابية والتنوع ، جمل موسيقية معبرة ، تتخلل جمل النص ، وتنتقل أحيانا بين ترانيم ترتكز على أصوات متعددة متناغمة ، ونهاية الترنيمات الموسيقية المتقاربة والمتباعدة تتغير من قصيدة إلى أخرى سعيا وراء المعنى ، تزاوج بين المفردات تحمل صوتا مسموعا مع الموسيقى ، وكأن الشاعر يعزف للكلمات وهي تتراقص بين أسوار الجمل . 
ومن خلال قراءتنا الديوان لاحظنا بسهولة إن القصائد تنتظم في غالب الأمر في جمل قصيرة أولاها الشاعر عناية خاصة وفائقة . نغم خفي تحسه النفس عند القراءة أو الإلقاء ، نغم يشعرنا أحيانا بالحزن والكآبة ، وآخر بالحماس ...اختار الشاعر كلمات بعيدة عن التنافر وسهلة إخراج حروفها الموزعة بين الهمسية والصفيرية والقوية المسموعة ...ونقدم مثلا من الموسيقى الشعرية قصائد ديوان ( مناجم في حوض الشتاء ) من قصيدة ( رماد الشمس )

تنتشر الخيام 
جسور الصبر
مرآة أرض خالدة 
وراء الضباب
قطر المدى
على خد الورد
ورعشة الجسد

نلاحظ مقدرة الشاعر على التلاعب بالشكل والمضمون والمعنى والموسيقى، بمضمون محبوك مغلق ببداية ونهاية ، فيجعل معنى الكلمات مدورا بالمعنى يسرق الحس والوعي ، ويجعل المتلقي يحس كيف سخر الشاعر الموسيقى لخدمة المضمون العام للقصائد ..
_ الصور البلاغية والإنسانية في النصوص الشعرية
تزخر نصوص الشاعر أحمد بياض بجمالية التعبير والصور النصية ، فقد استطاع الشاعر بموهبته وخبرته الشعرية رسم أجمل الصور بالكلمات والتعابير، حيث استطاع أن يخلط ببراعة بين الكلمات والألوان والألوان والأنغام معا ، استخدم علم الجمال والبلاغة وعلم البيان والبديع في بوتقة وواحدة ووظف الطباق والجناس والتشخيص والتشابه والاختلاف والقياس وعناصر بلاغية أخرى ، بخبرة ومهارة وحرفنه واتزان ، لذلك حين نقرأ لهذا الشاعر، وجدنا أنفسنا وجدنا نفسنا كأننا نسمع نغما ملونا مرسوما بأبعاد مختلفة مرسومة بلون فرشاة ، مدروسة فنيا وأدبيا ، وتلك سمة واضحة وإستراتجية واضحة في كل القصائد ، والسبب يعود إلى الاهتمام الكبير بالصناعة الشعرية وجملها ، باهتمام منقطع النظير ، لذلك يحس القارئ بحلاوة النصوص وتأثيرها المباشر والمحرك للحس والوجدان . يقول الشاعر في قصيدة ( عل ثوب زهرة في اصفرار العقول ) .
وأصنع من الزجاج يتم يدي 
وأشاطر الحفاة نرد الغبار...
معطف غجري على جسدي 
تنهيدة شتاء 
حين تورق على الحجر صلاة الغائب
وعلى مرآة الأرغفة 
ما تبقى من شبح الهياكل .

_ الصور الشعرية
الصور الشعرية في شعر الرمز والخيال يمكن تقسيمها إلى ثلاث مستويات :
المستوى الحسي المباشر : يتم فيه تصوير الأشياء كما هي بعيدة عن الابتذال ، ونأخذ كمثل نموذج من قصيدة ( حنين على المعاصم ) من ديوان ( مناجم في حوض الشتاء ) .
هل ستعود ليلى
على أقراص الليل
فتنحني القطاف 
برعشة الجسد
ليستحم الفراغ
في وهج الطفولة

حضور دلالة العنصر الحسي في الصورة الفنية متوزعة بين قصائد الديوان ، بين صور بصرية وذوقية وشمية وسمعية . إن الصورة المستمدة من عمل الحواس تجسد رؤية رمزية تستمد فعاليتها من التداعي السيكولوجي ، وتكرار الكثير من الصور في الديوان مثلها مثل اللوازم النغمية ، ووسيلة من وسائل البناء الجمالي الحامل للكثير من الدلالات في القصائد . إن الجانب الحسي التي تقدمه الرؤية البصرية هو أبسط هذه الدلالات وأقربها إلى ذهن المتلقي وتساعده على تذوق البناء الجمالي الفني ...
المستوى الاستعاري : أي التفاعل مع الواقع الخارجي تفاعلا مجازيا ، ونأخذ نموذجا من قصيدة (عزف على أوتار الليل )
في الحانات المكسوة بالتراب
شفتي الريح
لثمة حارقة 
تائهة
في ضباب الذاكرة
الليل يطفو على سطح البحر
كسير محيا نجمة
لم تعانق الضوء

يتضمن الديوان تعابير وأساليب بلغة رمزية غير حقيقية تقريرية مباشرة ، تتضمن استعارات ومجاز وكناية وأساليب بلاغية معروفة ...صور شعرية خيالية عبر عنها الشاعر بواسطة انفعالات ، سواء كانت تلك الصور تشبيها أو مجازا أو استعارة ...بكلمات رمزية فنية متماسكة ، تنم على تجربة شعرية تستخدم طاقة اللغة وإمكانياتها في الدلالة والتركيب والإيقاع...
المستوى الرمزي : أي التعبير بمنطق يتخطى حدود الحدس والعقل كلها في إدراك الوعي لها ونأخذ مثلا من قصيدة ( رماد الشمس )
آذار صوت الشمس 
ولغة النحيب 
صوت وراء الأسوار 
معلقات طفولة 
خط تراب 
نشيد يبحث عن لغة 
وينحت في الجسد 
رحم الكلمة 
لا أرض لك .

لقد وظف الشاعر الصورة الشعرية في نصوصه الشعرية بتكثيف تفصيلي مانحا إياها حركة الإحساس بعاطفة ازدحمت فيها الصيغ لتدخل التشكيل الشعري ، والصورة الشعرية في هذا المستوى من أصعب مفتح النصوص الشعرية ، نظرا لاختلافها وتنوعها وعمقها المرتبط بقوة الشاعر وعمق تجربته الشعرية . وتوضح أن أسلوب الشاعر في هذا النوع يرتبط بأسلوب التجديد والابتكار . وحضرت صورة الشاعر لذاته في صور مشكلة بالدهشة والمفاجأة والحلم.
• _6 - الموضوع ومقاييس الدقة في الإبداع الشعري
المقصود بها الرسالة الإنسانية التي يضمنها الشاعر لنصوصه الشعرية ، بين الحروف والكلمات ، أي من خلال استعراض الأفكار الجزئية التي تترابط فيما بينها مكونة فكرة كلية . الشعر الذي يخلو من الرسالة الإنسانية أو فكرة كلية هو شعر ينزل إلى دون المستوى المطلوب . إن الشعر لا تقتصر القيمة على المعنى التعليمي ، بل تتعداها إلى قوة التأثير في النفس الإنسانية ، وتلك هي غاية الأدب الهامة ..
أ _ مقياس الصحة والخطأ

التزم الشاعر بالحقائق كلها سواء كانت ذاتية أومجتمعية أو تاريخية أو لغوية أو علمية لأن الخطأ يضر بالحقيقة الشعرية ويفسد الشعر، ويخرجه من حيز الثقة والمقبولية عمد المتلقي . لقد توخى الشاعر أحمد بياض هذه الحقيقة بحذر شديد ، وهذا يعود إلى ثقافته العالية . لم نسجل على قصائد الديوان خروجها عن الحقائق الذاتية والمجتمعية الموضوعية وآلام الإنسان العربي سواء قبل ما سمي الربيع العربي أو بعده .
ب-مقياس الجدة والابتكار
ليس مطلوبا من الشاعر أن يقدم معان شعرية جديدة ، لم يسبقه لها أحد من سابقيه ، فهذا طبعا شبه مستحيل ، لكن المطلوب أن تكون للمعاني الشعرية مكانة نقدية متميزة ، أن تتصف بالجدة والابتكار.
لقد قدم الشاعر معان في غاية الأهمية بأسلوب فيه طموح الخلق والابتكار وخاصة على مستوى الصورة الشعرية والرمز والخيال .

ج- مقياس العمق والسطحية
المعنى العميق هو المعنى الذي يذهب بالمتلقي بعيدا ، بدلالات رمزية ومعنوية عالية التأثير، تستدعي إلى ذهن المتلقي معان وخواطر كثيرة ، تثيرها الرموز والدلالات السيميائية التي يستشفها الناقد من خلال المخبوءات في النصوص الشعرية . المعنى العميق يعكس موهبة الشاعر وتميزه ، وقدراته العقلية والذهنية وثقافته العالية ، تكون النصوص عميقة إذا اعتمدت التأمل الفلسفي الموشح بالحكمة التي تختزل بقدر كبير التجربة الإنسانية ، وتقديمها في عبارة موجزة .
مقاييس نقد العاطفة
المقصود بالعاطفة الحالة الوجدانية التي تدفع الإنسان إلى الميل للشيء أو الابتعاد عنه ، وما يتبع ذلك من حب أو كره ، وسرور وحزن ، أو رضى أو غضب ، ومن أبرز مقاييس نقد العاطفة ما يلي :
أ-مقياس الصدق الكذب
الدوافع التي دفعت الشاعر لكتابة نصوصه ، دوافع حقيقية ، وليست زائفة ، تؤكد صدق العاطفة ...الدوافع كلها حقيقية وتتجلي في تتبع كل قصائد الديوان المشكل عاطفة من هموم ذاتية من عمق واقعها المجتمعي المغربي والعربي ، وخاصة جروح الأمة العربية من المحيط إلى الخليج بعد النكسة العربية ، وتعاظمت المأساة بعد وقبيل ما يسمى بالربيع العربي ، لوضع تاريخي حرج تمر منه معظم البلدان سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي...وويلات التطرف والحروب الدامية ..
ب-مقياس القوة والضعف
المقصود بها مدى تأثير النصوص الشعرية في نفس القارئ ، فإن هزت وجدانه كانت عاطفتها قوية ، هذا المقياس يتأثر طبعا بأمزجة الناس وطباعهم ، فمن الناس من يحب الشعر الثوري ، ومنهم من يعشق شعر الغزل ، ومنهم من يعشق شعر وصف الطبيعة...أما قصائد الديوان فلا بد أن القارئ سيجد ضالته في قصيدة تسكن وجدانه ، وتثير في عقله أسئلة فكرية ووجدانية وفلسفية عميقة ...
ج- التجربة الإبداعية في نصوص الديوان الشعرية
إن الانفعالات والعواطف التي اعتملت في صدر الشاعر عند إنتاج القصائد ، نقلت لنا جدية وعمق وصدق ووضوح الرؤية الشعرية عند أحمد بياض ، وليس المطلوب من الشاعر أن يضيف جديدا لم يسبقه له أحد ، ولكن أن يموقع تجربه الشعرية في إطار جامع للرواد القدوة في التجربة .
لقد وردت في الديوان قصيدة إهداء للشاعر الكبير أحمد المجاطي ، يقول أحمد بياض في قصيدة ( جدار )

أمام رحاب الفناء
المعكوس على السمرة ،
وهاد عينيك 
حين تهوي الأدراج
فتى النجوم 
كم شعاع لديك على سماد الشتات ؟

يعتبر أحمد المجاطي من المؤسسين لحركة الحداثة الشعرية بالمغرب . حركة تتجاوز الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين ، والتجارب الذاتية عند الرومانسيين ، إلى صور تقوم على ترسيخ مدلولات الكلمات من خلال الرموز والأساطير وتوظيف الصورة / الرؤيا وتجاوز الرموز التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء ...وجاء في قصيدة الشاعر أحمد بياض ( أغصان )
شابت 
على أعين ألموج 
فرسان الطليعة
غبار النقع 
فاجعة الأشواق ...
ليل على الأرجاء سهلا
والربيع يورق الاحتماء .

7 _ المدخل العقلاني
نقصد بها تجربة الأديب المكتسبة من الاتجاهات الأدبية والفكرية من قراءاته وثقافته السابقة المتوازية ، والتي أثرت عل إنتاجه الأدبي المتوازي أو التناص مع أدباء آخرين ، ويضاف كذلك إرهاصاته الإنسانية كفرد في بنية فكرية وثقافية .
التناص عملية وراثية للنصوص أو النص المتناص ، ويكاد يحمل بعض صفات الأصول ، والتناص أنواع عديدة نذكر منها ، تداخل النصوص والنص الواحد ، والنص الغائب ، والنص المهاجر، والنص المتضافر، ونص الحالة المزاجية العاطفية ... وقد عرفت نصوص الديوان تداخلا مع نصوص متناصة من جانب الرمز بدرجات تختلف من قصيدة إلى أخرى ، بشكل ديناميكي متحرك ومتفاعل مع تيمات نصية مختلفة مرتبطة بالتغيرات والمستجدات التي عرفها تطور الشعر العربي والتي تطرح تساؤلات عديدة تهدف إلى خلق واقع من التطلعات .
التناص هو قراءة استرجاعية تبدأ فاعليتها بقراءة النص ، ثم ترتد عنه إلى روافد سابقة عليه ، سواء كانت قديمة أو حديثة تكاد تجاور زمن النص الحاضر ، على أن يكون الوعي في تلازم القراءة المرجعية مع القراءة التأويلية التي تلاحق المفردات والمركبات وللنص في شموليتها .
ونأخذ من قصائد الديوان نموذجا من قصائد الديوان على التناص الميت

يقول الشاعر أحمد فياض في قصيدة ( فواصل )
وحدك 
تمشي
في تعب الريح 
وحدك 
تمشي 
في انصهار الطريق
وحدك
والآتي غريق

وقال أبو الطيب المتنبي
أنا الغريق ما خوفي من البلل به الذي بي وما بي غير منتقل
الشعر وعاء وإناء العقلانية والخلق والتواضع والمثل العليا ، يمتاز بالتوازي مع خبرات الآخرين لمواكبة الرقي والارتقاء والاغتناء ، تحت خصوصيات فكرية وفلسفية وأيديولوجية وتجارب إنسانية وأدبية متوازية تكون بوابتها التناص بكل أنواعه وتجلياته .
8 المدخل السلوكي
الأدب سلوك وتساؤلات إنسانية فكرية ، فنجد التساؤلات التي طرحها الشاعر أحمد فياض في نصوص ديوانه فلسفية وجدلية واجتماعية وذاتية ، وإجاباتها التي ترصدناها في نصوص الديوان ، إجابات مطبوعة بالوضع والبيئة الشعرية الاجتماعية والأدبية والفلسفية التي أثيرت في النصوص . رد فعل بين الشاعر والمظاهر المجتمعية والإنسانية والذاتية وكل السائد في المحيط المجتمعي . لقد شكل الرمز قنطرة عبور لكل التساؤلات المشروعة .
يقول الشاعر :

هل ماتت اللغة 
في صحوة الزفير
أم انتحرت الأشواق
في تلال النشيد 
هل شيدت بابل 
ليلا 
من معدن الأشواق

ويقول أحمد بياض في قصيدة (خريف )
هل كانت تمشي 
على ريش البحر
هل كانت تؤدي
تلك المناسك
في رعدة الخريف
هل كانت تنظر 
إلى مرآة 
عرسها اليتيم ...

المنظور الاستنباطي التقمصي
ونعني به نقديا مجموعة العبر والحكم والدلالات الإنسانية التي نستشفها من نصوص الديوان وأركانها التعبيرية ، لقد وظف الشاعر مقدرته الفكرية والأدبية والعقلانية في إنتاج نصوص تدخل المتلقي في تقمص وجداني ، فالإنسان يلاحظ سلوكه المادي المباشر ، ويربط سلوكه بإيحاءات رمزية سيكولوجية ، من خلال مشاعره وعواطفه ، فيصبح لسلوكه الإنساني معنى يصب في معنى الذات ، فيتصل بالآخرين ويلاحق سلوكهم المادي ، وعلى أساس تفسيراته السلوكية السابقة لسلوكه .
ويمكن القول أن الإنسان له المقدرة على فهم نفسه عن طريق تحليل سلوكه الذاتي ، وإمكانه كذلك الخروج باستنتاجات عن سلوكيات الآخرين ، تقوم على أساس التقمص الوجداني ، ولقد عشنا مع الشاعر في كل قصائده نفس الحالة النفسية الوجدانية وخاصة حين تميل هذه القصائد لمكافحة التهميش والظلم والطغيان والحروب الغبية المتاجرة بالدين ، وسيادة الجهل والأمية واستفحال الفساد والخوف الذي تعيشه العقول والقسوة التي سكنت القلوب والعزلة التي أصبح يعيشها المثقف العربي.... ومن قصائد أحمد بياض نذكر قصيدة ( أن ....وتئن الحروف)

أن أقرأ
لك آخر حلمي
أن أمشي 
ترفضني الطريق.....
أن أسأل الليل 
والقمر
عن فستان آخر نجمة 
كانت محلقة

الخلقية الأخلاقية للنصوص
المتعارف عليه أن النصوص الأدبية الرصينة برمتها تبنى على شكل متكامل ، يساهم في تثبيت القوائم الأخلاقية في المجتمع ، وذلك واجب الأدب الرصين الملتزم بالقيم والأخلاق المثلى المجتمعية والإنسانية العليا. لقد التزم الشاعر في كل نصوص الديوان بالأخلاق والمثل العليا ولم يتعرض لها بسوء ، ولم نسجل أي تجاوز أو فكر هدام يمكنه أن يخترق بنية الأعراف والتقاليد والقوانين والأخلاق البانية لواقعنا المغربي والعربي بكل أطيافه . أو ينشر العداء والتفرقة بين الناس . والشاعر في ديوانه ملتزم بفطرة وفكر العقيدة ، محترم لكل الأعراف الأخلاقية .
التحليل الرقمي الساند
بعد أن أنهيت تحليل الديوان عبر مباحث ثلاث ، أسند تحليلي إلى جدار نقدي علمي قوي ، أولا أختبر هذا التحليل بجمع جميع الدلالات المتعلقة بالرمز والخيال في ديوان ( مناجم في حوض الشتاء ) .
الدلالات الطبيعية الرمزية....................223 دلالة
الدلالات الحسية ألإيجابية الرمزية...............183 دلالة
الدلالات الحسية السلبية الرمزية .............................104 دلالة
الدلالات / الذات الرمزية .............................173 دلالة
الدلالات الوجودية الرمزية ........................... 114 دلالة
الدلالات الرمزية/ الشتاء...........................156 دلالة

مجموع الدلالات الرمزية .................953 دلالة
ما نسجله أن الشاعر مال بدرجة كبيرة نحو الرمز والخيال الوجداني ، والميل كذلك للعمق التأملي الفلسفي الفكري والأيديولوجي المرتبط بهموم الذات والوطن والعروبة .
خاتمة
أنهي دراستي الذرائعية لديوان ( مناجم في حوض الشتاء) مقتنعا أن الديوان يستحق الاستفاضة أكثر ، لكن الكمال لرب العزة ، ونحن إلا بعض خلقه وما أوتينا من العلم إلا القليل ...نستنتج مما سلف أن الأديب لا يكتب شيئا وينشره من فراغ ، وإنما يمر بمراحل تجديدية كثيرة ، فالأديب الرصين هو دوما ساع إلى التجديد ، ولا يرضى عما يكتبه أبدا ، فتراه ينقد كل كلمة يكتبها ، ويبدلها في كل قراءة ، حتى يستقر النص بعد أيام أو أشهر ، فلا نتصور أديبا ينشر مجموعة شعرية بشكل عجول جزافا ، وقد عمد النقاد المعتدلين والذين ليهم انحياز للتجديد واحترام الأدب والأديب كجزء من التراث الإنساني ، لا يمكن تجاهله أو التعرض له بأي شكل من الأشكال ، ولقد كان سبيلنا لهذا منهجنا الذرائعي الحامل لأغراض سامية ، وهذا المنهج يتبع ويهتم بتجزئة النص إلى فقرات ، وفصل كل مكوناته الفكرية واللغوية ، ومن ثم إرجاعها إلى أسبابها وملابساتها بشكل حذر ودقيق ، في ضوء السياق التي وردت فيه النصوص ، مع مراعاة عدم الخروج عن إطارها العام ، والناقد ينتقل في تحليله من المركب إلى البسيط ومن الجزئي إلى الكلي .
ديوان ( مناجم في حوض الشتاء )
الشاعر المغربي: احمد بياض

عبد الرحمن الصوفي / المغرب

الاثنين، 4 سبتمبر 2017

ضياع الارتقائية الشعرية في المسابقات الأدبية :بقلم الأديب / راوند_دلعو







(نقد أدبي)
ضياع الارتقائية الشعرية في المسابقات الأدبية :
( محبتي و احترامي لجميع النقاد و المُحَكِّمين من أعضاء المُسابقات الأدبيّة و القائمين عليها ..... )
لكنني _ كشاعر _ أُنَزِّه التّجربة الشّعرية و الأدبيّة عموماً عن مفهوم التنافس و التسابقيَّة و ما يستلزمه_ برأيي الشّخصي _ من تسطيح للمعنى الحقيقي للتّجربة الأدبيّة المقدّسة ، إذ ينحدر بها من كبرياء القداسة الفنيّة إلى مستوى الكتابة من أجل غرض غريزي ، كالتنافس لربح جائزة ، أو نظم الشعر و القصص لتعليم الناس ، أو كتابة نص لتلبية حاجة ما !
فيتموَّت الجزء الفني المقدس و تتلاشى القيمة الأدبية عندما تغيب الاقتحامية و النزعة العلوية و الرغبة الجامحة بتلبية الفكر لأجل الفكر و توابعه العاطفية ،و التي بدورها يجب أن تهيمن على أعصاب و خلايا الأديب لحظة الكتابة أثناء انسيابه في برجه الفوق قدسي المُنزَّه.
فالركن الأول للعمل الفني ، العفوية و التلقائية و الانسياق تحت سطوة كتلة هائلة من العواطف الجياشة ، و من ثم زخم رهيب من العاطفة التي تُقحِم الأديب لاسيما الشاعر فيما لم يخطِّط له مسبقاً من حالات ملؤها العروج و الارتقائية في شروقات عُلوية و معارج قُدسية.
كما أن الواقعية جزء أساسي من كُنه التجربة الأدبية فيجب انبثاق الفن من واقع اللحظة الشعورية و ظلال المعاناة التي تكتنفها، بينما نجد أن أغراض التنافس و التعليم تبتعد بالتجربة عن مفهوم العاطفة العاجية الجياشة إلى واقع غرضي زائف غير فني و غير ثوري ، بل مُختلق لغرض معين .... نعم هو غرض نبيل لكنه لا يرقى لواقع الحالة الفنية و لا يُسمى فناً.
و من هنا أَلغَيتُ الشاعرية عن ألفية ابن مالك في فلسفتي الشعرية لأنها نُظِمت لتعليم الطلاب قواعد العربية فهي عمل تعليمي نبيل لكن غير فني ، و إن ارتقى لمستوى عال من البلاغة و النظم.
فالتجربة الأدبية وليدة حالة ثورية راقية من التماهي مع اللحظة العاطفية للتعبير عنها بأدب أو رسم أو غناء أو دراما أو مسرح أو أو .... بغض النظر عن اللغة المستخدمة و بلاغتها ( فصحى _عامية_ إنكليزية....).
لذلك و إيمانا مني بالمفهوم الفني و السياق القدسي للأدب و الشعر ، و حفاظاً على هيبة الارتقائية كصلب التجربة الشعرية و مادة ماهيتها و أساس وجودها ، لا أدخل في مسابقات أدبية و لا أقبل بإدخال أي عمل أدبي أقوم به في إطار مسابقة أدبية من أجل جائزة ، لأنني ببساطة لا و لم أكتب يوماً من أجل جائزة.
نعم، قد تلحق الجائزة أديبها الحقيقي _ حافية القدمين _ نتيجة الاطلاع على أعماله من بعض الهيئات التقييمية لكن دون أن ينزل هو إلى مستوى الالتحاق بمسابقة لاهثاً وراء جائزة ..... !
تقتل تجربتك الشعرية في الحظة التي تمتطيها لاهثاً وراء جائزة أو أي غرض مادي.
و كان قد ارتقى الأديب الرائع جون بول سارتر لمرتبة المبدع الحقيقي الذي عاش و كتب لأجل التجربة عندما رفض استلام جائزة نوبل بالآداب ، فمات في خيمته الارتقائية هاتكاً كل الحجب بين تجربته و الملأ الأعلى.
فالشعر تجربة فنية و ليس موضوع تنافس.
و خلافنا يا سادتي المُحَكِّمين و المتسابقين لا يلغي حبي و احترامي لكم و لما تقدموه.
#راوند_دلعو

الثلاثاء، 11 يوليو 2017

الواقع والواقعية الانتقادية السّاخرة قراءة نقدية في تجربة الأديب القاص مصطفى الحاج حسين


الواقع والواقعية الانتقادية السّاخرة 
قراءة نقدية في تجربة الأديب القاص
مصطفى الحاج حسين .
----------------------------------------------------
----------------------------- إبراهيم محمد كسار
بطاقة تعريف :
* مصطفى الحاج حسين ابن محمد من مواليد حلب ( الباب ) 8/2/1961 م .
* ترك الدراسة في أواخر المرحلة الابتدائية،
وعمل في مهنة البناء مع والده .
* عصامي الثقافة واسعها ، أولع بالمطالعة ،
حتى بدأت تظهر أولى كتاباته وهو في الخامسة عشرة .
* يكتب الشعر والقصة القصيرة ، والخواطر،
والمذكرات ، والمقالات الأدبية .
* صدرت له مجموعة قصصية بعنوان (( قهقهات الشيطان )) بالتعاون مع اتحاد الكتاب العرب عام 1998 ، عن دار الثريا بحلب .
* أورد له خطيب بدلة في مجموعة (( الساخرون )) قصة إلى جانب كبار كتاب القصة في سورية .
* تحدثت عنه مقالات ودراسات كثيرة في الصحف والمجلات المحلية والعربية .
* ينشر نتاجه الأدبي في مجلات وجرائد الوطن العربي .
* نال أكثر من جائزة أدبية في مجال القصة محلياً وعربياً منها :
-- جائزة اتحاد الكتاب العرب بحلب 1993 -- 1994 
-- جائزة المركز الثقافي العربي بحلب
1992 م
-- جائزة د . سعاد الصباح للإبداع الأدبي بالكويت 1994 .
* لديه مخطوطات قصصية ، إحداها (( فشّة خلق )) قيد النشر ، ومجموعات أخرى مخطوطة ، كما أن لديه مجموعة شعرية مخطوطة من قصيدة النثر بعنوان (( نوافذ على الجرح )) .
لم أعهد في أصدقائي الأدباء ، أو في الكتاب الذين أعرفهم حماساً للأدب يماثل حماسه ، ذلك أنّه - باختصار شديد - ذو إصرار دائب على الأدب والكتابة الإبداعية .
فقد كتب الشعر ردحاً من حياته ، وكان شعره خالياً من الإيقاع الخارجي ، فهو - من هذه الجهة - قد ينتمي إلى ما يسمى (( قصيدة النثر )) لكنه من حيث التصوير والبناء الشعري قد ينتمي إلى شعر التفعيلة.
يزخر شعره بالصور المحلّقة ، فهو يملك
مخيلة واسعة الأفق ، ويرى أن القصيدة يجب أن تكون مليئة بالصور الجديدة المدهشة لذلك تراه يسعى سعياً حثيثاً إلى المزيد من التصوير الفني .
أمّا موضوعات شعره فمتنوّعة ، ولكن يغلب عليها موضوعان أساسيان هما : الهم السياسي - الاجتماعي ، والغزل . وقد كتب في الحب نيفاً ومئة قصيدة أطلق عليها أصدقاؤه تسمية (( الندويات )) . وقد جمع أشعاره بين دفتي مخطوط بعنوان (( نوافذ على الجرح )) .
تحوّل إلى كتابة القصة القصيرة ، فأنجز مجموعة كبيرة من القصص ، تقدم بمجموعة منها تحت عنوان (( الضّحك على اللحى )) إلى مسابقة الدكتورة سعاد الصباح في الكويت ، ففاز بالجائزة الثانية ، وتقدم بمجموعة أخرى تحت عنوان (( قهقهات الشيطان )) إلى اتحاد الكتاب العرب بدمشق
، فوافق على طبعها بالتعاون .
إنّه القاص مصطفى الحاج حسين ، العين الراصدة ، والحدقة الجريئة التي تلج عالمه الداخلي ، كما تتسلل إلى عوالم الآخرين دون استئذان ، لكنها تخرج منها بعوالم قصصية ناجحة .
إنّه القاص الذي لم يغادر - في قصصه - حلب وضواحيها ، فهو مخلص للمكان مرتبط به ارتباطاً وثيقاً ، يؤمن بأن أية بقعة من الكون تنبض بمئات القصص ، وما على القاص المبدع إلاّ أن يستلّ قلمه ، ويحاكي ما حوله تسجيلاً فنياً مبدعاً .
إن كل شيء حوله قابل لتحويله إلى قصة قصيرة ، كل حدث مهما كان صغيراً ، وكل شخصية أيضاً يملكان كمّاً قصصياً هائلاً
لذا نجد قصصه متحركة في جميع الأبعاد ،
متسوبة إلى كل الزوايا ، متنوعة المآكل .
وإذاً ، فلا شيء -- على الإطلاق -- لديه عصي على القصة وبالتالي يغدو كل شيء في الحياة فنّياً ، إذا ما تيسّر له فنان يستطيع تطويعه ، وتدجينه في أحد الأجناس الأدبية ، أو الفنّية .
قد يقودنا هذا القول إلى أنّ قصص مصطفى الحاج حسين واقعية ، وهذا صحيح تماماً ، لكنها واقعية تمتلك حرية الاختيار ، فهو - على الرغم من إخلاصه للوقائع إلى درجة التسجيلية أحياناً - يتدخل
بخياله الفني ، ليضفي على الأحداث ما يتلاءم وفكرة القصة ، أو الرؤيا التي يحبّ أن يطرحها من خلالها ، وهكذا تغدو واقعية
مصطفى في قصصه واقعية ذات بعدين:
1 - واقعية المضمون :
فهو لا يكتب قصة من قصصه بمنأى عن أحد المصادر التالية :
التجارب الذاتية ، تجارب الأهل والأقارب ، تجارب الأصدقاء ، الموروث الشعبي ، أو ما يشتهر من أحداث الواقع المحيط .
فهو كاتب مفرط الواقعية ، يختار قصصه من الواقع المعيش غالباً ، فتطغى على قصصه سمة التجربة الحياتية الحقيقية ، فكل ما يكتب عنه - بلا استثناء- 
رآه حقيقة ، وعاش جزءاً منه ، أو سمع عنه نقلاً عن رواة ثقاة ، لذلك نرى تأثير قصصه -
في الغالب الأعم - سريعاً ومباشراً ، وهو يعمل على الفكرة أحياناً ، لكنها يجب ألاّ تكون فكرة متخيلة ، فيكتب قصة الفكرة ، ولكن تكون قبساً نموذجياً مما يحدث في الواقع عادة وإن كانت غالبية قصصه قصة حدث . ولنأخذ مثلاً
على قصة الفكرة ، تلك القصة التي كانت عنوان مجموعته المنشورة
(( قهقهات الشيطان )) حيث نجد (( نوري )) بطل القصة ، وهو غلام بسيط ، يدخل إلى البيت ، فيفاجأ بوفاة أبيه ، ويرى الجميع مجتمعين يبكون ، فلا يستطيع أن يذرف دمعةً واحدةً .
ويبدأ التفكير بأنه يشعر بالأسى لأنّ أباه
مات ، ولكنه - في الوقت نفسه - يسعد لهذا ،
ويسمي هذا التفكير وسوسة من الشيطان ،
فلا يمكنه إلاّ أن يبتسم رغماً عنه ، ها هو يقول :
(( لقد مات أبي ، ينبغي أن أبكي ، حسدت أمي ومريم وزوجة عمي وابنتها ، حسدتهنّ على دموعهنّ ، المرأة دائماً جاهزة
للبكاء .. يالسعادتها .. ابتهلت إلى الله أن يمنّ عليّ بدمعة واحدة ، لعنت الشيطان الرجيم في سري ، صممت آذاني عن سماع صراخه : - لقد أصبحت حرّاً طليقاً - ابتعد أيها الشيطان القذر ، فأنا أحبّ أبي رغم كلّ شيء ، لقد سامحته .. أسرعت إلى غرفتي ،
وعلى الفور بللّت إصبعي بلعابي ، ثمّ دهنت جفني .. )) .
إنّه يتذكر قسوة أبيه عليه ، وأنّه كان السبب في عذاباته ، فهو قد حرمه من متابعة الدراسة ، وأجبره على العمل . وفي محاولة منه لإقناع الشيطان بالحزن على أبيه ، يهرب من الجميع خوفاً من أن يكتشفوا ابتساماته . وفي المقبرة يبث شكواه إلى جده الظالم الذي كان السبب الحقيقي في بناء شخصية أبيه .
كثرت الشخصيات في هذه القصة ، ولكنها ظلّت جانبية ، بسيطة الحضور ، وقد سيطر السرد على القصة على الرغم من وجودالشخصيات والحوار القصير الذي يدور بينها ، عبر ارتباطها بالبطل ، وكانت الخاتمة قوية ، فثمة دمعة واحدة حقيقية انحدرت من عينيه ، ويحرص نوري على إبقائها ، غير
أنّ جنازة أبيه ما تزال بعيدة .
2 - واقعية الشكل :
مصطفى كاتب غير مولع بالتجديد كثيراً ، فهو -- غالباً -- ما يسرد قصصه بواقعية حادة ، معتمداً المباشرة لفظاً ومعنى ، واضعاً نصب عينيه قارئه ، فهو كثير الاهتمام به ، لذا يبتعد عن كل ما يبعده
عن القارئ ، ولا تكاد أمسية من الفعاليات الثقافية بحلب شارك فيها مصطفى الحاج حسين تخلو من تعلق المتلقين بقصصه ومن
تأثيرها المباشر فيهم .
إنّ القصة التي يكتبها حاج حسين تبقى عالقة في الذهن ، مستمرة فينا بعد قراءتها،
أو سماعها ، ولذلك يعود -- في ظني -- إلى أمرين ، أولهما الحرارة التي تمتلكها قصصه ،
فهو يختار المواضيع الساخنة ، بحيث تظهر حيوية متدفقة ، توحي بطزاجة الحدث وواقعيته ، وتلامسنا أياً ما كان انتماؤنا أو اتجاهنا الفكري ، وثانيهما بروز جانب النقد الاجتماعي الذي يعتمد على السخرية المرّة
غالباً ، وهكذا نراه يكشف زيف علاقاتنا الاجتماعية ، ويقوم بتشريح دواخلنا ، ونحن
نستمع إليه مستمتعين ، ونتابعه لأننا نلمس في قصصه واقعية انتقادية محببة ، تسعى إلى تغيير الظواهر السلبية بثورية مقنعة ، تتسلل إلى النفس ، لتفعل فعلها النقدي الواقعي العميق .
ويقودنا هذا إلى الحديث عن قدرة مصطفى الحاج حسين على الدخول إلى عوالم النفس الإنسانية ، بحيث يستطيع استكناه الدوافع الداخلية ، فيتتبع خطاها بقدرة فائقة ، إنّه قادر على سبر أعماق الإنسان ببساطة مدهشة ، وبذلك نجد غالبية أبطاله مصابين بعقدة (( مركب النقص )) ، 
فهم يحاولون جاهدين لتغطية عقدتهم تلك
بأساليب وسلوكيات مختلفة ، تبدو مضحكة أحياناً ، وهذا ما نجده واضحاً في معظم ققص حاج حسين ، من مثل قصة (( واقتنى
تميم نقاده )) حيث نرى شخصية تميم هذا 
شخصية مأزومة منذ البداية ، فهو شاب مدلل ، غير أنه يشعر بالعجز لرسوبه المتكرر بالجامعة ، فيجرّب التمثيل في المسرح الجامعي ، فيفشل ويغدو أخيراً شاعراً بالمصادفة الساخرة ، وهي مصادفة تعتمد النقد الفكري والفني من قبل القاص ، فالناقد
الشاب هو الذي منح تميماً إجازة الشعر ، على الرغم من لجنة التقييم وآرائها ، في المهرجان الشعري الجامعي ، وحيث يصبح
بيت تميم مزاراً لكل محرري الجرائد والمجلات من العاصمة ، فإنّ القصة ترصد المال والجاه قيماً عليا في الأدب والفن ، وتسجلها نظام ضدّها .
والقاص مصطفى الحاج حسين يرسم شخصياته بعناية ويهتم بعرض جزئيات من
حياتهم ، فقد يضطر - أحياناً - إلى العودة نحو الماضي لاستكمال صورتها منه ، وغالباً ما يرسم الصفات الجسدية والخارجية للشخصية ، وذلك للوصول إلى قدر أكبر من
تحديدها ، وبخاصة تلك الصفات التي تمنح
القصة سلاح السخرية الحاد ، في النقد الواقعي ، وتعرية السلبيات فيه .
إنّ تجربة مصطفى الحاج حسين تجربة غنية فيما يبدو ، فهو قد أفاد من تجربته الشعرية بحيث نلحظ الشعرية في لغته القصصية ، وكذلك قدرته على التصوير الفني المتقن ، يجسد لنا الشخصيات والأحداث تجسيداً حيّاً ومباشراً ، فنكاد نلمسها بأيدينا ، وهو -- في سبيل ذلك -- يصر على جعل المتلقي يلهث وراء الحدث ، عبر حشد الكثير من التراكيب والألفاظ والصفات ، معتمداً عنصر المبالغة في عملية
التشويق ، لشد المتلقي الذي يضطر -- بدافع
الفضول على الأقل -- لمتابعة القصة ، وكثيراً
ما تنجح هذه المحاولة ، فتترك آثارها الإيجابية الباقية في المتلقين .
وربما كان من الضروري الإشارة إلى أنّ
أجواء قصص الحاج حسين هي أجواء متنوعة متباينة ، فهو يمتح من الذاكرة أحياناً ، فيكتب قصصاً تعود إلى تجارب قديمة ، تصور جانباً هاماً من مدينة ( الباب )
مدينته الأم ، فيكشف من خلالها الواقع المتردي ، ويصور مافيها من أمراض اجتماعية وأخلاقية وفكرية ، وقد يتجه إلى
عوالم المثقفين ، والأدباء منهم بخاصة فيسجل ما يعتمل في هذه العوالم من زيف وخداع ، ويعري شخصيات هذا العالم ، بجرأة تصل حدّ الفضيحة ، في بعض الأحيان ، وهذا ما جعلني أطلق عليه ذات يوم صفة ( الكاتب الفضائحي ) ، وكان ذلك
في النادي العربي الفلسطيني ، في أمسية
أقيمت احتفالاً بالأدباء الذين فازوا بمسابقة
دار سعاد الصباح من حلب وكان منهم ، وكذلك في نادي التمثيل العربي للأدب والفنون .
إنّه كاتب لا بتحرّج من رصد سلوكيات الأدباء وأحوالهم الداخلية ، ويبدو كل ذلك نابعاً من تجربة حقيقية له ، إذ عايش ، ويعايش واقع الأدباء وتربطه بمعظمهم صداقات كثيرة .
فقد كتب الكثير من القصص ، كان أبطالها شعراء وقصاصين ونقاداً ، من مثل
( واقتنى تمتوم نقاده - إجراءات - الضحك على اللحى - القصيدة الميتة - المبدع ذو الضفتين .. ) .
ولنأخذ الأخيرة مثالاً على ذلك ، حيث نرى شخصية أدبية ومثقفة ، أو هكذا يدعي
صاحبها ، متخمة بجنون العظمة ، وهذا --
فيما يبدو -- معادل موضوعي للشعور بالنقص . وتقوم القصة بفضح هذه الشخصية من كل الجوانب ، ورصد تحركاتها
النفسية من خلال كلامها ، ويأتي السرد عن طريق البطل ( الراوي بصيغة الأنا ) . والقصة تسجل انتقاداً صارخاً لكل أولئك الذين يستسهلون العملية الإبداعية ، وأيضاً تنتقد الثقافة وأوضاعها الراهنة ابتداء من النشر وانتهاء بالإبداع الحقيقي ، وكذلك تنتقد الدارسين الجامعيين ، وغيرهم من النقاد والمثقفين .
ويبدو التأزم في القصة واضحاً منذ البداية ، ويأتي التسلسل الزمني في سبيل عرض الحالة والاستغراق فيها أكثر ، فالبطل
- هو ربّ الشعر كما يقول - يقرر كتابة القصة
القصيرة ، مفتخراً بكل تجاربه على جميع الأصعدة ، ويبدو أنّه مضطر إلى الكتابة القصصية ، فهو وصل إلى قناعة مفادها أن القصة أكثر استيعاباً لحوادث الحياة وهمومها من الشعر ، وكذلك فإن زوجته تحب القصة ، وهو الآن يميل إليها . وقد برزت في هذه القصة شخصيّة واحدة ، وزمن واحد ، وإن كان ثمة أزمان ماضية ذكرت من خلال السرد ، وجاءت الإنارة داخلية ، فلا غموض ولا إبهام في القصة .
وكذلك يمتح القاص الحاج حسين من قاع المجتمع الغائص في مستنقع العادات والتقاليد البالية ، فيكشف لنا أنماطاً من السلوكيات والتصرفات في هذا الواقع ، يعرض بأخلاقيات هذا المجتمع وقواعده ، معرياً زيف بعض شخصياته ، من مثل قصة (( دستور من خاطره )) التي ترصد شخصية
مدّع شيخ طريقة ، وهو يظهر التقوى ويدعي الإيمان ولكنه - في الحقيقة - بؤرة للرذائل ، وأصناف الفجور .
وقد يعتمد القاص مصطفى الحاج حسين على الموروث الشعبي في بناء قصته
، مفيداً من حادثة شعبية صغيرة ، يقوم برسمها في قصة فنية متكاملة ، كما في قصة (( باثور الشاويش )) وأيضاً في قصة (( تل مكسور )) ، وتعد هذه الأخيرة من أجمل قصصه ، فهي - وإن كانت مبنية على
واقعة صغيرة ، فحدثت في إحدى القرى التابعة لمدينة حلب - إلاٌ أنه استطاع - من
خلالها - تناول واقع القرية ، وما فيها من جهل وتخلف وخوف ، وبخاصة أمام معلم المدرسة المتعلم ، وهو معلم وحيد ، ينفش
ريشه كالطاووس ، ويخدع أهل القرية مدّعياً
بأنّه مسنود من العاصمة ، ويتخذ من التهديد
بتقاريره السياسية سلاحاً له أمام الأهالي ،
الذي يخضعون له في النهاية ، بما فيهم المختار ، ولا يملكون حياله أي فعل ، وتتأزم
القصة ، فتكون الذروة عندما يشاهد المعلم 
تلاميذه يلعبون بكرة صنعوها من الخرق ، 
يهجم عليهم ، فيكتشف أنّ علم المدرسة قد
حشر أيضاً في الكرة الخرقية ، وتبدأ المأساة
فهو لا يرضى بمثل هذا الفعل ، وتتنامى القصة بأحداثها لتصل إلى المواجهة الصارخة بين معلم الابتدائي وبين خديجة زوجة الشهيد ، وابنها جمعة الخلف تلميذ المدرسة ، حيث يتهمه المعلم لأن الأخير يرغب بأمه التي تأبّت عليه كثيراً ، ويبدأ بضربه ، وتجتمع القرية ، وتكثر التوسلات ،
ويتدخل المختار ولكن المعلم لا يرضى ، ويهدد ويزبد بأنه سيكتب تقريراً للسلطات الأمنية ، وسيسجن هذا الخائن ، وتقف خديجة الأم بين الجمع ، وبخبث يجرها المعلم للحديث والاسترحام ، حيث يبدأ بالتهجم على زوحها ، متهماً إياه بالخيانة لأنه والد جمعة ، وهنا تنفجر خديجة فزوجها مات شهيداً ، ولا تقبل مثل هذه الإهانة ، فتحقر المعلم ، وتهجم عليه لتضربه
، وتأتي النهاية لتشير بطرف خفي إلى استشراء الخوف ، وانتشار الجهل الذي يجعل الجميع يقفون مكتوفي الأيدي ، يدفعون ضريبة جهلهم وخوفهم وتكون الخاتمة القوية التي تعد من أجمل خواتيم قصص مصطفى الحاج حسي ، حيث يوقف اللحظة
الزمنية ويد خديجة مرتفعة للأعلى ، قبل أن
تنزل على خد المعلم ، وكأنها ترتفع بدلاً من
علم البلاد .
إنها قصة ناجحة قصصياً وفنّياً ، تمتاز بالحرارة والصدق ، وحركاتها المكانية والزمانية تندغمان ليضيع الوصف والسرد في خضم الأحداث .
وكثيراً ما نرى شخصيات قصصه نموذجية ، أو بتعبير أدق ، يصورها القاص ويرسم أبعادها لتغدو نموذجية ، ولا نعني -
هنا - الحكم القيمي عليها ، فقد تكون سلبية
أو إيجابية . وربما كان من الضروري أن نشير
إلى أنّ معظم شخصياته هم من الشباب الذين يعيشون أزماتهم الواقعية والإجتماعية ، وفي أحيان أخرى أزماتهم العاطفية والفكرية ، ولا شك أن ذلك نابع من
كون القاص شاباً حتى الآن طبعاً .
وها هي قصة (( الإنزلاق )) تبدأ بوصف
حافلة مكتظة بركابها ، وتتجه العدسة نحو 
البطل المثقف ، مدرس الفلسفة وعلم النفس
محشوراً بين الجموع ، إنّه فقير يعيل أمه وأخواته العوانس ، مكبوت لا يقدر على الزواج ، يقف وراء شقراء في الحافلة المزدحمة ، وتبدأ هواجس الكبت والأخلاق 
بالصراع في رأسه وعبر المونولوج الداخلي
يكشف القاص بطله وهو يؤكد لنفسه بقوله:
(( سقط القناع ... إنّي بكل بساطة أنقسم إلى اثنين ، مدرس فلسفة يتشبث بالأخلاق .. وحيوان شهواني ))
ويسقط في خضم الصراع يدفعه كبته 
الجنسي ، ولكنه يكتشف أنّ هذه الفتاة إحدى طالباته .
ولا تغيب المرأة عن قصص الحاج حسين ، فهي موجودة في كل قصة تقريباً
ولكن ثمة علاقة مشوهة - أحياناً - بين تلك
المرأة من جهة ، وبين الرجل من جهة أخرى
إذ غالباً ما تظهر العلاقة غير سوية بينهما ،
ولا نقصد علاقة الحب فقط ، بل المرأة أماً
وزوجة وابنة وحبيبة . وتظهر المرأة لديه 
أحياناً أخرى قوية فعالة ، وصاحبة موقف حقيقي ، من مثل قصة (( شرف العائلة )) 
و (( تل مكسور )) .
وكذلك لا يغيب الوطن ولا الأرض عن
قصصه ، حيث نجدهما كثيراً ، وبخاصة في
قصة (( شرف العائلة )) ، وذلك عبر رمزية 
تشف عن المغزى من ورائها فهي - فيما يبدو
- قصة فلسطين الجريحة ، ويبدو الأعمام الكثيرون، وهم في القصة رمز للدول العربية
، غير مبالين إلاّ بأنفسهم ومصالحهم ، وهم 
يعرضون على ابن عمهم / الأب في القصة ،
أن يقوم ابنه بقتل الفاجرة ، التي خرجت على قواعد العائلة وشرفها ، فهم يريدون غسل العار ، ولكن ليس بأيديهم أو أيدي أبنائهم ودون أية خسائر ، وكذلك في قصة
(( تل مكسور )) التي تشي عن رمزها بوضوح تام ، حين ترتفع يد زوجة الشهيد في وجه المعلم مثل علم البلاد خفاقة مشرقة .
وإذا كان لا بد من الإشارة - في،النهاية-
إلى بعض الملحوظات الفنية ، فإنني أشير
إلى أن قاصنا يعتمد على السرد كثيراً ، وهو
ما يسوقه إلى الاستطراد ، الذي يوسع من
حدقة القصة القصيرة ، أو يشغلها بحوادث
جانبية وسخصيات إضافية .
هذا مع الإشارة إلى أنّ القاص يجيد عملية القص في النسق الحكائي ، ولكنه يتدخل - أحياناً - في صلب القصة ، فيعلّق ،
أو يضيف عبارات توضيحية لا داعي لها . كما أننا نلمس،خطابية ومباشرة في عبارات
قصصه ومفرداتها ، ولربما تقوده إليها رغبته
العارمة بالمبالغة والإثارة ، ولكنه يستطيع -- 
بما يملك من قدرة على الحبكة ونسج خيوطها الفنية -- إذكاء حدّة الصراع بين الشخصيات ، ورسم عدة عقد في القصة الواحدة ، أو أكثر من ذروة فيها ، وهذا يؤدي
إلى تأثيرها في المتلقي وربطها به ربطاً حميمياً عبر نمو عنصر التشويق والإثارة .
كما يمكن الإشارة إلى نمطية اللغة القصصية،
هذا مع التنبيه إلى نجاح لغة الحوار في قصصه غالباً ، حيث نراها مناسبة للشخصيات ، تميل إلى الحديث العادي ، دون اللجوء إلى عامية مغرقة ، أو فصيحة
معقدة .
وأخيراً يمكن القول إنّ تجربة القاص مصطفى الحاج حسين تجربة غنية و واعدة حقاً ، تنبئ عن خير كثير وعطاء فني متميز
، فيما إذا تابع معاناة الأدب حياة وقراءة وكتابة . ولا أجد ما يلخص ويصور شخصية
قاصنا إلاّ قول الشاعر أبي الطيب المتنبي حين قال :
وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام .
إبراهيم محمدزكسار
حلب